عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 10

خريدة القصر وجريدة العصر

وأنفقت في هذا النحو ما يقرب أن يكون عاما كاملا . . ولكني وجدتني إثر ذلك كمن يحمل لوحة أثرية قد تساقطت أجزاء منها . فأنا أعيد بعض الأجزاء الساقطة بالحدس ، وأنا أعيده مستعينا بالوزن ، وأنا أعيده بالتقدير ، ولكنه يظلّ بعد ذلك ناقصا حين لا ينفع الحدس ، ولا تجزئ الأذن الموسيقية ، ولا يصيب التقدير . وحملت النسخة التي انتهيت من نسخها ومحاولة ترميمها وتحقيقها ، ذات يوم من أواخر أيام العام الدراسي ، وحملت معها الهم الذي لازمني حتى حجب عن عيني أمورا كثيرة كنت أحب أن أراها في المغرب وأن أتصل بها وأن أخالطها وأحياها ، وحملت كذلك الأمل الذي كنت أطمع أن أحققه والتحدّي الذي كان يملأ برديّ . . ومضيت أصعد في الطلعة الصغرى أسلك الطريق إلى « الدوح » لأبلغ مع نهايته ميدان البطحاء ، وأخرج من « فاس » التاريخ والتقاليد والروح والإرث ، إلى « فاس » الشارع والمقهى والبريد . أليست هي المقادير التي تعدّ لنا كل شيء ، ونحسب أننا نحن الذين نفعل كلّ شيء ؟ . أليست هي أرواح المخطوطات التي تجتذبنا إليها . . تعرف تعلقنا بها ، وينتهي إليها - من يدري كيف - حرصنا عليها وسعينا الدائب نحوها . . فإذا هي تشير إلينا هذه الإشارة العابرة في حركة سريعة ، في مثل لمعة البرق وحركته ، وكأنما تمتحن ذكاءنا وقدرتنا وصبرنا ؟ وكذلك كان . . فقد كانت كلمة طيبة من الأستاذ العالم الجليل عبد السلام بن سودة بمثابة الشرارة المضيئة . . سمعتها منه في الرباط ، في المكتبة ، وسمعته فيها يقول لي : هل رأيت الشيخ تقي الدين العلوي مدرس التاريخ في كلية القرويين ؟ . وهل رأيت عنده جزءا من الخريدة ؟ . .